منير سلطان
117
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
وهذه القوة النابعة من الصدق تنطبق انطباقا على النظم القرآني ، وتعتبر سرا من أسرار إعجازه ، فهو أثر من نبع علوىّ ، وقطرة من فيض سماوي ، والحديث فيه غريب عجيب ، لأنه من مكمنه ، من مصدر المصادر ، ومبدع الخلائق ، ومكوّن الأكوان ، من اللّه ، تعالى جدّه ، وجلّت قدرته وتعظّم اسمه . فجمع القرآن قوة لصدقه ، وقوة لصدق قائله - تعالى اللّه - وقوة لصدق مبلّغه صلوات اللّه عليه وسلامه ، وقوة لخلوده ودوامه ، مع احتفاظه بكل درجات الغرابة والعجب والإبداع ، بالرغم من توالى السنين بالمئين . ومما يسترعى النظر في دراسة الباقلاني لإعجاز القرآن ، اعتباره للوحدة الفنية فيه ، وإشادته بقيمتها وبقدرتها على الإبانة . فهو يعتبر القرآن كلا متكاملا له خصائصه ، وكذلك يعتبر السورة منه ، فيقوم بتحليلها متدرّجا فيها ليظهر ما ينطوى عليه من خصائص في النظم لا تقتصر على مجرد روعة استعارة وجمال تشبيه يرد في الآية أو في عبارة قصيرة ، بل ينصب إعجازه عليه جملة لا تفصيلا ، فالسورة - لا الآية - أصغر وحدة فنية في القرآن ، ويمكن الحكم بها على إعجازه في النظم ، لأنها في حد ذاتها يمكن أن تتوافر لها شروط الإعجاز كاملة . وبذلك يكون الباقلاني قد خرج على منهج السابقين وآرائهم ودراساتهم حين اعتبروا الآية أو العبارة أو بيت الشعر أو شطره أساسا لبحوثهم النقدية البلاغية ، ثم لأحكامهم في بيان القرآن . ونستشهد في ذلك بتحليله لسورة النحل « 1 » وسورة غافر « 2 » . نموذج من تحليل الباقلاني للروعة في آيات الذكر الحكيم : يقول الباقلاني ، حينما يريد أن يضع أيدينا على أسرار الإعجاز في القرآن أنه « ولو لم يكن من عظم شأنه إلا أنه طبّق الأرض أنواره ، وجلل الآفاق ضياؤه ، ونفذ في العالم حكمه ، وقبل في الدنيا رسمه ، وطمس ظلام الكفر بعد أن كان
--> ( 1 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 191 إلى 194 . ( 2 ) نفس المصدر - 197 إلى 200 .